حسن بن موسى القادري
435
شرح حكم الشيخ الأكبر
51 - من تمكن تركن . ثم قال قدّس سرّه : ( من تمكن ) وثبت في أمره عند عروض عارض يصده عن اللّه ( تركن ) وتقوّى ، ويصير إلى الجانب الأقوى أو سكن وهوّن عليه الأمر والثبات قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الأنفال : 45 ] ، أو من تمكن في التصرف بتمكين اللّه إياه بأن ظهر في تنوعات الأسماء والصفات بقريب من ظهور الحق فيها بحيث لا يستقصي عليه شيء مما يطلبه ، فيعلم ما يريد علمه ، ويحدث ما أراد حدوثه من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك تركّن وسكن وقوى وثبت ، فلا يبقى له خاطر يخطره ، ولا حركه تحركه ، ولا إرادة تزعزعه ، فأعماله باللّه وأقواله باللّه وجهاته كلها باللّه ، ويكون هو في جوار اللّه ، فتنفعل الأشياء له بلفظ كن ويبرأ العلل والأمراض ، وتظهر على يديه المخترعات ، ويمشي برجله في الهواء ، ويقدر على التصور بكل صورة يريدها فهذا هو معنى جوار ربّ العالمين . 52 - من كذب كرب . ثم قال قدس سرّه : ( من كذب ) في الأقوال وكذا الأحوال إلا لغرض ( كرب ) ، ويصير به حزن يأخذ بالنفس دنيا وآخرة ، في الحديث : « وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم . « 1 » » ، ومن الكذب الزيادات في الحديث ، والرياء والمراء والجدال في نصرة الباطل ؛ لأن الحديث يشملها ؛ لأنها من الحصائد ، والكل يصعد به الملك صباحا ومساءا كالكلمة الصالحة إلا أن الصالحة في عليين والطالحة لَفِي سِجِّينٍ [ المطففين : 7 ] ، قال تعالى : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 18 ] ، وفي الحقيقة ليس في الوجود باطل قطعا ؛ لأنه حق كله ، وإنما الباطل هو العدم ، فالعارف لمّا سمع الكذب يأخذ منه حكمته ويقول : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا [ آل عمران : 192 ] ، ويكون على الكاذب كذبه فاعلم أيها السالك إن اللسان أملك شيء لك سريع الحركة كثير العثرات ، حركته أقرب إلى الهلاك منها إلى النجاة ، فعليك بصونه في جميع الأوقات عن نطق ما يذم في الشرع حتى تصير مالكا له ، وشهابا ثاقبا لشيطانه .
--> ( 1 ) رواه الترمذي في السنن ( 5 / 11 ) ، وابن ماجة في السنن ( 2 / 1314 ) بنحوه ، والنسائي في السنن الكبرى ( 6 / 428 ) ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 4 / 247 ) .